للخوض في تحليل مبدأ الأمن القانوني، يتعين أولاً تحديد مفهومه الجوهري كمبدأ أساسي في النظام القانوني، ثم استعراض مدى تطبيقه في عملية صياغة وتفعيل القواعد القانونية داخل التشريعي المغربي.
يُعرّف مبدأ الأمن القانوني (la sécurité juridique) بأنه الضامن للحترام النصوص التشريعية للخصائص الجوهرية للقاعدة القانونية، والتي تتمثل في كونها قاعدة آمرة، عامة، مجردة، واجتماعية، وفقاً للمبادئ الفقهية الراسخة في القانون ، كما يتطلب هذا المبدأ أن تكون القاعدة القانونية معبرة ومتماشية مع إرادة المجتمع واختياراته السيادية، ومرآة تعكس قيمه وتطلعاته الجماعية، مع الالتزام التام لهذه النصوص بالمبادئ الأساسية للقانون، كمبدأ عدم الرجعية للقوانين ، وقواعد الإثبات القانوني، وآجال الطعن في الأحكام القضائية، وغيرها من القواعد الإجرائية المتعارف عليها في الفقه القانوني والاجتهاد القضائي.
بالإضافة إلى ذلك، يشترط مبدأ الأمن القانوني أن تكون الصياغة التشريعية واضحة ودقيقة، خالية من الغموض أو الغموض الذي قد يفضي إلى تفسيرات متعارضة، مع الالتزام بمبدأ المساواة أمام القانون وعدم التمييز. ويتطلب هذا المبدأ أيضا توفير درجة كافية من الثبات والاستقرار للنظام التشريعي داخل المجتمع، بحيث لا تخضع لتعديلات متكررة أو تغييرات جوهرية تؤدي إلى اضطراب في الإطار القانوني أو صدور أحكام قضائية متعارضة، شريطة أن يظل القانون مواكباً للتطورات الاقتصادية والاجتماعية والتكنولوجية، وفقاً لمبدأ التكيف مع المتغيرات الاجتماعية (adaptation au changement social).
في هذا السياق، يُطرح تساؤل جوهري حول مدى تحقق مبدأ الأمن القانوني في التشريع المغربية، في ظل صدور نصوص تشريعية منافية لإرادة المجتمع أو متناقضة مع إحدى الخصائص الأساسية للقاعدة القانونية، وهي كونها قاعدة اجتماعية. ومن الأمثلة البارزة على ذلك:
القانون التنظيمي رقم 97.15 المتعلق بشروط وكيفيات ممارسة حق الإضراب، الذي أدخل قيوداً جوهرية على هذا الحق الدستوري، مما جعله شبه معدوم، وهذا ما يدل على تناقض مع مبدأ الحرية النقابية والحق في الإضراب المنصوص عليه في الدستور.
تعديلات قانون المسطرة الجنائية، وخاصة في بعض مواده (مثل تلك المتعلقة بتحريك الدعوى العمومية)، التي أسقطت حق الجمعيات في رفع الدعاوى العمومية في قضايا الفساد، إلى جانب مواد أخرى اعتُبرت مستترة بغلاف مبدأ الأمن القانوني دون تحقيقه فعلياً، مما يثير إشكالية التوازن بين المصلحة العامة والحقوق الفردية.
سحب مشروع قانون الإثراء غير المشروع من البرلمان، الذي كان يهدف إلى تعزيز آليات مكافحة الفساد، مما يطرح تساؤلات حول الالتزام بمبدأ الشفافية والمساءلة القانوني.
مشروع القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة، الذي تم تأجيل إحالته على البرلمان عقب احتجاجات واسعة من أعضاء الهيئة المحامين، مما يعكس تناقضاً بين الإرادة التشريعية والمصلحة المهنية المحمية دستورياً.
وهنا، يتضح أن تحقيق مبدأ الأمن القانوني يستلزم صياغة النصوص التشريعية بلغة دقيقة وواضحة، مفهومة للعموم، لتجنب التأويلات المختلفة للرغبة المشرع التي قد تفضي إلى تعارض في الاجتهاد القضائي، وفقاً لمبدأ الوضوح التشريعي (clarté législative).
لكن كيف يمكن للنخب السياسية الوطنية – التي تفتقر في كثير من الحالات إلى الخبرة القانونية أو الإلمام بفن صياغة النصوص التشريعية – أن تضمن إنتاج نصوص تشريعية دقيقة وواضحة، وناهيك عن تحدد مصير الإطار التشريعي الوطني،؟
ألم يصبح من الضروري، في هذا الإطار، دسترة مبدأ الأمن القانوني بشكل صريح، لتمكين المحكمة الدستورية من ممارسة الرقابة الدستورية على أي تجاوزات من جانب السلطة التشريعية لهذا المبدأ الجوهري، الذي يشكل ركيزة أساسية لدولة الحق والقانون ؟
لا سيما في عصرا يطبعه تأثير متزايد لرجال الأعمال وجماعات الضغط (lobbying)، على النخب السياسية إن لم نقل هيمنتهم على آليات صنع القرار التشريعي، مما قد يؤدي إلى انتهاك لمبدأ الحيادية التشريعية.
بقلم: محمد الإدريسي


تعليقات
0