بقلم : هشام اعبايبي
في الليالي التي كان فيها الظلام أكثر صدقا من المصابيح، كانت جدّتي تشعل الحكاية قبل أن تشعل الفتيل.
نجلس نحن الخمسة، مجموعة خوفٍ صغير، نتحلّق حول صوتها، لا حول النار.
تبدأ بالغول…
فتتسع عيوننا أكثر مما ينبغي،
ثم بوخنشة…
فنشد الغطاء حتى الأنف،
ثم عايشة قنديشة…
فنحبس أنفاسنا كما لو أنّ الأنفاس نفسها قد تفضحنا.
كانت الجدة لا تنظر إلى وجوهنا،
كانت تضع يدها على قلوبنا.
تجس النبض،
تقيس الرعب،
وتعرف متى تزيد في الوصف ومتى تُنقذنا بجملة رحيمة.
كانت حكاية، نعم…
لكنها كانت أيضا تمرينا مبكرا على الخوف.
كبرنا.
تكسّرت الأسنان اللبنية، تغيّرت الأصوات، وتبدّلت الأسماء.
لكن الغول ظلّ غولًا،
وبوخنشة ظلّ بوخنشة،
وعايشة قنديشة لم تتقاعد عن الإغواء ولا عن الرعب.
الزمن دار…
و الوجوه لم تتبدّل، فقط تعلّمت الجلوس على الكراسي.
اليوم، وأنا أتجوّل في المدينة، لا أبحث عن الذكريات، بل أتعثر بها.
أنظر إلى الشوارع: خائفة.
إلى الأزقة: مترددة.
إلى الأرصفة: مكسورة الخاطر.
إلى البنايات: واقفة بلا روح.
إلى الإنارة: خجولة، كأنها تعتذر عن ضعفها.
وإلى المنتخبين…
فأعرف الوجوه:
هذا غول بربطة عنق،
ذاك بوخنشة بملفّ أزرق،
وتلك عايشة قنديشة بابتسامة انتخابية.
في الصغر، كان الخوف من الحكاية.
واليوم، كل الخوف على المدينة.
من التسيير العشوائي،
من العبث الذي يُقدَّم لنا كقدر،
ومن قصة تُروى كل دورة انتخابية بنفس الحبكة…
وبنفس النهاية.
ومع اقتراب نهاية القصة،
يزداد التشويق،
تتضاعف ضربات القلب…
ليس قلبنا هذه المرّة،
بل قلوبهم هم.
خوفًا على مقعد،
على موقع،
على مكانة توشك أن تفلت من بين الأصابع.
لكن خوفي…
كل خوفي،
كما كنت صغيرًا،
من نفس الوجوه.
وجوه تعاقبت على هذا الكرسي:
منهم من مات، والرحمة بيد الله،
ومنهم من لا يزال يراقب الخراب…
كأن الخراب إنجاز،
وكأن الصمت حكمة.


تعليقات
0