بقلم هشام اعبايبي
في تاونات، لا يحتاج المرء إلى كثير عناء لتمييز الماضي عن الحاضر يكفي أن ينظر إلى الوجوه نفسها وهي تعبر العقود بثبات مريب، فيما يتغير كل شيء من حولها إلا واقع الإقليم.
ثلاثون سنة وأكثر، تداولت فيها نفس الأسماء، بنفس الخطابات، وبنفس الأساليب، حتى صار المشهد السياسي نسخة مكررة من ذاته، لا جديد فيها سوى تاريخ الإلقاء.
هذا التعاقب غير المنقطع لنفس الوجوه لم يصنع استمرارية في التنمية، بل كرّس ركودا طويل الأمد. فالقرار ظل حبيس دائرة ضيقة، والرؤية لم تتجاوز أفق الانتخابات، فيما تُرك الإقليم يواجه أعطابه الاجتماعية والاقتصادية بإمكانيات محدودة ووعود مستهلكة.
الشباب، الذين يفترض أن يكونوا وقود التنمية، تحوّلوا إلى أول ضحايا هذا الجمود السياسي. يُغادرون تاونات جماعات، نحو شركات “الكابلاج” بمدن أخرى، يستهلكون أعمارهم في أعمال شاقة مقابل أجور هزيلة، لا لأنهم اختاروا الرحيل، بل لأن البقاء لم يعد خيارًا منطقيًا.وبموازاة ذلك، تشدّ نساء الإقليم الرحال نحو الضيعات الفلاحية بأوروبا، في هجرة قاسية لا تشبه الحلم بقدر ما تشبه الاضطرار. يتركن خلفهن أسرًا معلّقة، وأطفالًا يتربّون على الغياب، في مقابل عمل موسمي يضمن الحد الأدنى من العيش، ولا يضمن الحد الأدنى من الكرامة.
وفي كل موسم لجني الزيتون، تُنتهك الطبيعة بلا حسيب. أودية تُلوّث، مياه تُهدر، وتوازن بيئي يُستباح في وضح النهار، في غياب سياسات حقيقية لحماية الموارد. الطبيعة، هنا، تدفع ثمن سنوات من التدبير القصير النفس.
أما المال العام، فيُصرف في اقتناء تجهيزات لا تعكس أولويات الساكنة، بينما تظل مشاريع مهيكلة عالقة منذ عشرات السنين، لا أحد يعلن فشلها ولا أحد يجرؤ على مساءلة أسباب تعثرها. مشاريع تُستعمل كعناوين انتخابية أكثر مما تُستعمل كرافعات للتنمية.
الخطاب السياسي بدوره لم يسلم من هذا الجمود. نفس العبارات تُستحضر في كل مناسبة، بنفس الحدة داخل الإقليم، وبنفس الغياب خارجه. فحين يتعلق الأمر بالترافع عن تاونات في دوائر القرار، يخفت الصوت، وتذوب الجرأة، ويغيب الحضور الفعلي.
إن أعظم عطاء يمكن أن يقدمه السياسي لهذا الإقليم، الذي لم يُطلب من ساكنته في الغالب سوى الأصوات، ليس وعدًا جديدًا ولا خطابًا أكثر حدة، بل تنحٍّ مسؤول. خطوة إلى الخلف تفتح المجال لوجوه جديدة، وأفكار مختلفة، ومسؤولية لا تخشى المحاسبة.
فتاونات لا تعاني من قلة الكلام، بل من كثرة الوجوه ذاتها. ولا تحتاج إلى من يعيد سرد الماضي، بل إلى من يجرؤ على مغادرته.


تعليقات
0