بقلم:هشام عبايبي
لم يكن الإعلام في إقليم تاونات، إلى زمن قريب، سوى حضور خافت في هامش المشهد العام، وجوده لا يتجاوز تدوينات متفرقة على حسابات فيسبوك، صور تسبق المعنى، وتعليقات تحاول أن تقوم مقام الخبر. كانت الصحافة تمر من هنا كفكرة غير مكتملة، بلا بنية واضحة ولا وعي جماعي يعترف بها، وكأن الإقليم لم يكن قد تهيأ بعد لاستقبالها كحقيقة قائمة لا كترف عابر.
غير أن الزمن، مهما بدا بطيئا في الأطراف، لا يتوقف عن الاشتغال في العمق. وفي مرحلة ليست ببعيدة، وجد الإعلام نفسه في صورة لم يعهدها الإقليم من قبل: حاضرا في النقاش العمومي، متداخلًا مع الشأن المحلي، ومصدر إرباك أحيانًا. لم تعد الممارسة الإعلامية مجرد منشور عابر، بل بدأت تتحول، ولو على مهل، إلى دور يتجاوز النقل إلى التتبع، ويتخطى الوصف إلى مساءلة اليومي الذي ظل طويلًا خارج الضوء.
اتسعت رقعة الفعل الإعلامي، فبرز صحافيون وإعلاميون أكفاء، يشتغلون بإحساس عالٍ بالمسؤولية، ويجتهدون في أداء أدوارهم رغم تعقيد السياق المحلي. وفي المقابل، ظهرت ممارسات أخرى، أكثر التواءً، تتخفى وراء الصفة وتُجيد المراوغة، حيث يُستثمر الاعتماد الإعلامي لا باعتباره تكليفًا أخلاقيا ، بل كوسيلة لتدبير اليومي، والبحث عن القوت عبر علاقات تُهادن حين يجب السؤال، وتُجزم حين يُنتظر التحري.
وفي قلب هذا المشهد، تبرز صحافة المناسبات كأحد تجلياته الأكثر وضوحًا. حضور يقتصر على القاعات المغلقة والمواعيد الرسمية، وعدسات لا تُفتح إلا حين يكون المشهد جاهزًا للاستهلاك. إعلام يكتفي بالسطح، ويغادر قبل أن يبدأ السؤال الحقيقي، حاضر في لحظة البروتوكول، غائب حين يتطلب الأمر نزولًا إلى عمق الواقع.
ورغم هذا التعدد في الممارسة، لا يزال الإعلام في تاونات يُعامل كعنصر طارئ، لا كواقع مفروض كما هو الشأن في باقي مدن المملكة، وبالأحرى في العالم. تتعامل بعض الجهات معه باعتباره كاشفا غير مرغوب فيه، أو عبئا يمكن الاستغناء عنه، أو مجرد وسيط مؤقت. وفي هذا السياق، يُسقط التمييز غالبًا بين الصحفي المهني وموفد الجريدة في ثنائية سطحية، لا تُنصف العمل ولا تُقيم الوزن الحقيقي للممارسة.
لا يمكن إنكار أن في الجسم المهني أسماء من طينة الكبار، تحمل الصحافة كقيمة، وتتعامل معها كوظيفة عمومية بالمعنى الأخلاقي، لا كامتياز شخصي. غير أن الواقع أفرز أيضًا حالات كان فيها موفد لجريدة، محدود الوسائل لكنه واضح الرؤية، أكثر التزاما وانضباطا من مهني اختزل المهنة في الصفة، وفصلها عن جوهرها الرقابي والتنويري. وهنا يتأكد أن الصحافة لا تُقاس بالمسميات، بل بما تُنتجه من أثر وما تحمله من صدقية.
الصحافة في إقليم تاونات ليست في أفضل أحوالها، لكنها ليست حالة عابرة ولا ممارسة زائدة عن الحاجة. هي فعل وظيفي، يؤديه الإعلامي كما يؤدي المسؤول مسؤوليته، وكما ينهض كل مهني بدوره داخل المجتمع. الإعلام ليس خصما للمدينة ولا زينة لمناسباتها، بل جزء من بنيتها، يؤدي مهمته في المراقبة والتنوير والتوثيق. وحين يُنظر إليه بهذه الصفة، لا كاستثناء بل كضرورة، يمكن لتاونات أن تنتقل من التعامل مع الإعلام كطارئ، إلى الاعتراف به كأحد أعمدة التوازن داخل الفضاء العمومي.


تعليقات
0