أسرار تاونات|مجتمع

السيول امتحان… والخطابة فشل مؤجَّل

0c3744c8-f705-4978-b003-6656628e73b3

بقلم : هشام اعبايبي

أقدارُ الله لا تُحصى، لكنّ الفارق الجوهري لا يكمن في قسوتها، بل في طريقة استقبالها.
فقصة يوسف، عليه السلام، لم تُخلَّد لأنه فسّر حلمًا فحسب، بل لأنه فهم ما بعد الحلم. سبعُ سنواتٍ عجافٍ لم تُواجَه بالانتظار، ولا بالندب، ولا بتعليق الفشل على شماعة الغيب، بل بالزراعة، بالتخزين، وبالعمل الصامت الذي لا يحتاج إلى جمهور.
يوسف لم يكن نبيَّ رؤى فقط، بل رجلَ تدبير. لم يقل: “إذا جاء القحط صبرنا”، بل قال: “إذا جاء القحط كنا مستعدين”. وهنا بالضبط يبدأ الامتحان الحقيقي للسياسة، لا كما تُمارَس، بل كما يُفترض أن تكون.
في هذا الوطن، حين يشحّ المطر، يتحوّل السياسي إلى كائنٍ هشّ، يشتكي كمن فاجأته الحياة، يرفع صوته بالأسى، ويبحث ـ بعبقرية مذهلة ـ عن حلّ واحد: الاقتراض.
وحين يهطل المطر، لا يعود نعمة، بل يتحوّل إلى فضيحة: فيضانات، انجرافات، طرقات مقطوعة، وبيوت تُسحب من تحت ساكنيها… ثم يُقال للمواطن، ببرودٍ رسمي: “هذا قضاء وقدر”.
المفارقة أن المواطن، في ذروة المحنة، لا يجد سياسيًا واحدًا.
يجد الجندي، الدركي، رجل السلطة، وأفراد المؤسسات شبه العسكرية. يجدهم في الطين، في الليل، في الخطر، بلا خطابات ولا بلاغات.
أما السياسي، فيظهر لاحقًا، نظيف الحذاء، ليفسّر ما حدث، لا ليمنعه.
ومع ذلك ـ وهنا وجب الانتباه ـ فليس هذا وقت التوبيخ، ولا مقام تصفية الحسابات.
البيوت التي انهارت لا تُرمَّم بالتحليل، والعائلات التي فقدت الأمان لا تحتاج من يُدرّسها أسباب الكارثة، بل من يقف إلى جانبها. اللحظة لحظة تكافل، لا شماتة؛ لحظة تآزر، لا استعراض أخلاقي.
سيأتي وقت السؤال: من قصّر؟ ومن أهمل؟ ومن بدّد؟
لكن ليس فوق الركام، ولا بين الدموع، ولا على جراحٍ ما تزال مفتوحة.
الآن، فقط، نحتاج أن نكون جسدًا واحدًا، قبل أن نكون خطابات متقابلة.
ومع ذلك، لا يمكن لأحد فينا أن يصمت طويلًا.
فإذا كانت الدولة تُحمى بالفعل لا بالتصريحات، وإذا كان من يواجه الكوارث ليس سياسيًا، بل مؤسسات تعمل بصمت، فما الحاجة إلى هذا السياسي الذي يثقل ميزانية الدولة، ويفسد في البرّ والبحر، ثم يطالبنا بالثقة لأنه “أدان الوضع”؟
يوسف، عليه السلام، لم يكن معصومًا لأنه نبي فقط، بل لأنه فهم أن القيادة استعدادٌ دائم، لا مهنة موسمية.
وما أكثر من رأوا في الحلم مادةً للخطابة، وتركوا القمح يضيع… ثم بكوا حين جاع الناس.

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

تعليقات

0
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي جريدة أسرار تاونات