“الخاصّة”
هشام اعبايبي
نافورةٌ لا تُسقي ولا تُغني، وصحنٌ إسمنتي يبحث عن معنى
في قلب تاونات، حيث تتراكم الأيام مثل غبارٍ لا يجد من ينفضه، تقبع النافورة التي يسميها أهل المدينة “الخاصّة”. ليست نافورةً شاهقة ولا معلمًا يُشار إليه بالبنان، بل صحنٌ إسمنتيّ عريض، جوفه مكشوف، متناثر فيه ما تبقى من تجهيزاتٍ أصابها الصدأ، حتى صارت متلاشيات لا تحفظ من ماضيها سوى وجع الإهمال.
لا تبتلع شيئًا، لكنها تشرخ الأمان. يلعب الأطفال داخلها، يقفزون فوق نتوءات الحديد وتجاويف الإسمنت، كأنهم يختبرون قدر المدينة في حماية صغارها. خطرٌ واضح، يلمع في جوف الصحن مثل نصلٍ مكسور، بينما يمرّ الكبار بجانبه وكأن الأمر لا يعنيهم.
في العشية، تقترب النساء من حافتها، يجلسن على جنباتها، يستأنسن بهدوئها—أو ربما يخفين أنينًا صغيرًا في ظلّها. ويُخيّل لمن يراقب المشهد أن “الخاصّة” تسمعهن… وتئنّ معهن؛ فالصحن نفسه يزداد وحشة كلما همست النساء بما لا يُقال.
والحقّ أن هذه النافورة لم تكن يومًا ضرورة، ولا حاجةً من حاجات تاونات. لم تكن المدينة في أمسّ الحاجة إلى صحنٍ بلا ماء، ولا لمعلمةٍ بلا جدوى. وجودها أشبه بعلامة استفهام مرمية وسط الشارع، أو مشروعٍ وُلد بلا معنى، ثم تُرك ليكبُر كعبءٍ صامت.
كانت أيامها الأولى وعدًا صغيرًا بإضفاء لمسة جمال، لكن سرعان ما انطفأت، وتحولت إلى فراغ هندسيّ لا يقدّم شيئًا ولا ينفع في شيء، سوى أنه يذكّر المارّة بأن المدينة تستحق ما هو أصدق، وما هو أبعد من زخرفة مبتورة.
هكذا تبقى الخاصّة: نافورة بلا ماء، مشروع بلا ضرورة، وصحنٌ إسمنتيّ لا يعرف لماذا وُضع هنا أصلًا.
تسأل المارّة عن جدواه، فيصمت… وتصمت معه مدينةٌ اعتادت أن تعيش بما هو أقل مما تستحق.


تعليقات
0