بقلم برحايل عبد العزيز
شهد إقليم تاونات خلال الأيام الماضية تنظيم مهرجان قمم الجبال، وهو حدث فني وثقافي لاقى اهتماماً واسعاً من قبل المتتبعين، لما قدّمه من عروض فنية مميزة ومشاركاتٍ وازنة لفنانين مغاربة مرموقين تركوا بصمتهم في الساحة الوطنية. وقد بدا واضحاً أنّ المنظّمين حرصوا على إضفاء طابعٍ احترافي على مختلف فقرات المهرجان، سواء من حيث جودة التنظيم أو تنوّع الفقرات. كما كان لحضور الفريق الفرانكفوني القادم من مدينة ليون أثرٌ إيجابي ملموس أضفى على التظاهرة بُعداً ثقافياً منفتحاً وعصرياً.
ومن بين الجوانب المشرقة التي رصدتها جريدة “أسرار تاونات”، المبادرة التربوية التي استهدفت توعية التلاميذ بذكرى المسيرة الخضراء عبر زياراتٍ ميدانية لعددٍ من المؤسسات التعليمية. لقد تميّز هذا الجانب بالعمق والرمزية، لأنه ربط بين الفن والذاكرة الوطنية، وأسهم في ترسيخ قيم الانتماء والمواطنة لدى الناشئة، في خطوةٍ تُحسب للمنظّمين وتُثمن جهودهم في إدماج البعد التربوي داخل الفعل الثقافي.
غير أنّ النجاح الفني والتنظيمي الذي طبع المهرجان لم يُخفِ بعض الهنّات الجوهرية التي حدّت من إشعاعه المحلي. فقد لاحظت الجريدة غياباً ملحوظاً للانفتاح على ساكنة تاونات، إذ انحصر حضور بعض الفعاليات على فئاتٍ اجتماعية محدودة، ما جعل الحدث يبدو وكأنه موجّهٌ للنخبة أكثر مما هو موجهٌ لعموم المواطنين. والمهرجان، في جوهره، يجب أن يكون فضاءً جامعاً يعبّر عن الجميع ويحتضن الجميع دون استثناء.
كما برزت محدودية مشاركة الفنانين المحليين، وهو ما أثار استغراب المتتبعين. فكيف لمهرجان يحمل اسم “قمم الجبال” ويُقام في قلب تاونات، أن يُقصي الأصوات الصاعدة والطاقات المبدعة التي تنتمي إلى هذه القمم نفسها؟ إنّ في تاونات مواهب فنية واعدة في مجالات المسرح، والموسيقى، والشعر، والفن التشكيلي، لكنها لم تُمنح بعد المكانة التي تستحقها. فغيابها عن المنصات يضع علامات استفهام حول فلسفة المهرجان واتجاهه المستقبلي.
وانطلاقاً من هذا الواقع، ترى جريدة “أسرار تاونات” أنّ الوقت قد حان لإعادة النظر في منهجية تنظيم المهرجان، وجعله أكثر التصاقاً بواقعه الاجتماعي والثقافي. فالمهرجانات لا تُقاس فقط بعدد الفنانين المشاركين أو قيمة الأسماء الحاضرة، بل بمدى تأثيرها في نسيجها المحلي، وبقدرتها على تحريك روح الإبداع داخل المجتمع الذي يحتضنها.
وفي هذا السياق، نقترح جملةً من التوصيات العملية التي يمكن أن تُسهم في تطوير هذا الحدث مستقبلاً:
• إعطاء الأولوية للفنانين المحليين عبر تخصيص فقرات ثابتة لهم في البرنامج الرسمي.
• فتح المجال أمام عموم المواطنين لحضور العروض والأنشطة دون تمييز أو حواجز.
• توسيع رقعة الفعاليات لتشمل الأحياء الشعبية والمراكز القروية المجاورة.
• اعتماد مقاربة تشاركية حقيقية عبر إشراك الجمعيات الثقافية والفنية في مراحل التخطيط والتنفيذ.
وفي الختام، تؤكد جريدة “أسرار تاونات” أنّ مهرجان قمم الجبال يمثل تجربة فنية واعدة تستحق التشجيع، لكنه في حاجةٍ إلى رؤية أكثر عمقاً وإنصافاً حتى يتحول إلى حدثٍ ثقافي متكامل يُعبّر عن هوية تاونات، ويحتضن قممها البشرية والإبداعية كما يحتفي بقممها الطبيعية. فتاونات، بتاريخها وثقافتها وناسها، تستحق مهرجاناً يُشبهها، يُنصت إليها، ويُجسّد روحها الأصيلة.


تعليقات
0