أسرار تاونات|مجتمع

يخيّم الضباب حين تعجز العين عن الإمساك بالمسافة، وحين يصبح الوعد مبهماً، معلقًا بين السماء والأرض. هكذا تبدو السحب في أقصى امتدادها:

f36e4398-c8bf-45a8-97bc-077ea7f38cf0

بقلم : هشام اعبايبي

تُرى ولا تُلمس، تُبشّر ولا تُنجز، تمتلئ بالشكل وتفرغ من الأثر. مشهدٌ يصلح أن يكون استعارة دقيقة لحال مشاريع كُتب لها أن تولد على الورق فقط، وتبقى حبيسة العناوين، لا تتجسّد في واقع إقليم تاونات إلا كخيالٍ عابر.
سنوات مرّت، والمشاريع مؤطّرة بالبلاغة، مزدانة بالتقارير، لكنها لم تعرف طريقها إلى التربة. كانت كسحبٍ كسولة، تدور في الفضاء دون أن تمطر، تُراكم الانتظار وتُطيل العطش. فما أيسر أن ترفع سحابة في الأفق، وما أعسر أن تهطل مطرًا يغسل الغبار عن الوجوه والأمكنة.
غير أنّ الواقعي، بطبيعته، لا يصدّق السماء حتى يبتلّ. لا تغرّه كثافة الغيم ولا فخامة الوعد. ومن هذا المنظور الاستنباطي، لا تُقاس التنمية بعلوّ السحاب، بل بأثر المطر حين يلامس الأرض.
وفي خضم هذا المشهد الرمادي، يطفو الاسم قبل الفعل، عبد الكريم الغنامي: اسمٌ يبدو كأنه يختصر الحكاية قبل أن تُروى.
عبد الكريم… إيحاء بالعطاء لا بالانتظار، والغنامي… من الغُنم لا من الوهم. كأن الاسم، بذاته، بيانُ عملٍ مُسبق، لا يَعِدُ بالسحاب، بل يراهن على الحصاد. لم يحضر ليضيف غيمة إلى السماء، بل ليحرّك الريح في أفقٍ راكد، ويوقظ المياه النائمة، ويخلخل سكونًا طال أمده.
ومع أول حركة، تغيّر الإيقاع: صار للسحاب امتحان، إمّا أن يصدق فيمطر، أو ينقشع وتنكشف السماء.
هكذا، يعود الأمل واقعيًا نبيلاً، لا يرتاح للظلّ الكاذب، ولا يساكن الوهم. يمضي بثبات بين الغيم، مؤمنًا أن السحاب إن لم يحمل ماءً، ليس سوى عبءٍ بصري، وأن الأرض لا تحفظ إلا أسماء من أيقظوا المطر، لا من أكثروا رسمه.

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

تعليقات

0
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي جريدة أسرار تاونات