
تحرير : احمد بوعببد فاعل جمعوي
أثارت التصريحات الصادرة عن الوزير برادة بشأن دعوة الأسر إلى تسجيل أبنائها في ما أسماه “المدارس الرائدة” ولو كانت بعيدة عن مقرّات سكناهم، ردود فعل واسعة، لما تحمله من مؤشرات خطيرة بشأن واقع التعليم العمومي. فقد أكد الوزير، بشكل صريح، أنّ بعض المدارس القريبة من الساكنة “ضعيفة”، وأن جودة التعليم تتواجد أساساً في مؤسسات بعيدة تتطلب تنقلاً يومياً مرهقاً، وهو ما يشكل اعترافاً رسمياً بوجود تفاوتات صارخة بين مؤسسات يفترض أن تكون موحّدة الجودة والخدمات.
تمييز مجالي غير مبرّر
إن حديث الوزير عن تفوق “المدارس الرائدة” مقارنة بالمؤسسات القريبة من المواطنين يكرّس، بغير وجه حق، فكرة تقسيم المدرسة العمومية إلى درجات وطبقات. فبدل الالتزام بضمان مستوى تعليمي موحّد داخل كل المؤسسات، يقدّم الوزير خطاباً يوحي بأن التعليم الجيد امتياز وليس حقاً، وأن الحصول عليه مشروط بالقدرة على الانتقال بعيداً أو تحمل أعباء إضافية.
تحميل الأسر مسؤولية اختلالات هيكلية
لا يمكن تحميل المواطنين مسؤولية البحث عن مؤسسات “أفضل”، بينما تتحمل الوزارة مسؤولية ضمان عدالة تربوية ومساواة في الفرص بين جميع المناطق. إن دعوة الأسر إلى التنقل يومياً أو الاستعانة بالنقل المدرسي لتجاوز ضعف المؤسسات القريبة من سكناهم، يمثل تحويلاً غير مشروع لعبء الإصلاح نحو الأسر، ويعكس اعترافاً ضمنياً بتفاوت الجودة داخل المدرسة العمومية.
إساءة مهنية للأطر التربوية
كما أن الإشارة إلى وجود “أساتذة غير متمرسين” في بعض المدارس القروية المكتظة، هو تصريح مُجحف في حقّ أطر تشتغل في ظروف صعبة وتبذل جهوداً كبيرة لضمان الحق في التعليم. وإذا كان هناك خلل في توزيع الموارد البشرية أو في أنماط التعيين، فإن مسؤولية معالجته تقع على الوزارة وليس على التلاميذ أو أسرهم.
تكريس الفوارق وضرب مبدأ الإنصاف
تصريحات الوزير برادة، مهما كانت نواياها، تساهم في تكريس فوارق مجالية وتعليمية خطيرة، وتتعارض مع المبادئ الدستورية المتعلقة بتكافؤ الفرص والعدالة الاجتماعية، ومع التوجهات الوطنية التي تؤكد ضرورة النهوض بالمدرسة العمومية وتقليص الفجوات بين المؤسسات.
دعوة إلى معالجة جذرية لا خطاب تبريري
إن المرحلة تقتضي التزاماً حكومياً واضحاً بـ:
رفع جودة جميع المؤسسات التعليمية دون استثناء؛
ضمان توزيع عادل للموارد البشرية؛
معالجة الاكتظاظ وتحسين البنية التحتية؛
دعم المدرسة القروية لا إضعافها خطابيًا؛
توحيد معايير الجودة بما يكفل الإنصاف لجميع التلاميذ.
خلاصة
إن المدرسة العمومية ملك لجميع المغاربة، ولا يجوز أن تكون محلّ تصنيف أو تفاوتات تفضي إلى شرعنة تعليم “للنخبة” وتعليم “لباقي المواطنين”.
وتصريحات الوزير برادة، بما تحمله من رسائل غير موفّقة، تستدعي إعادة تقييم جدية لخطاب المسؤولين، وتوجيهاً واضحاً نحو إصلاح يضمن وحدة المنظومة وجودتها بدل تكريس الفوارق داخلها.


تعليقات
0